انت الآن تتصفح قسم : صحة

خوصصة الصحة .. هل هي نهاية الخدمات العمومية.


الداخلة الآن :



أثار تقديم وزير الصحة الحسين الوردي لمشروع قانون يسمح للمستثمرين الخواص بالاستثمار في قطاع الصحة، ردود فعل رافضة للمشروع خاصة من طرف الأطباء والعاملين في القطاع، المشروع الذي وضع نسخته الوردي لدى الأمانة العامة للحكومة، يفتح الباب أمام أصحاب الرأسمال للاستثمار في الخدمات الصحية والمنتجات الطبية، في خطوة يعتبرها الكثيرون الأخيرة في طريق إنهاء الصحة العمومية.

 

المشروع الجديد-القديم سيحول الصحة من خدمة عمومية، وحق من حقوق الإنسان، إلى سلعة مشابهة تماما لقوة العمل، المشروع لم يولد مع عهدة الوزير الحسين الوردي، حيث سبق لوزراء سابقين أن حاولوا تطبيقه غير أن المعارضة الشديدة التي لاقاها من قبل نقابات الأطباء أجبرهم على إرجاعه إلى خزنة الوزارة قبل أن يعيده الوردي إلى الواجهة.

 

غموض دستوري حول الحق في الصحة

 

محاولة الوردي الدفع بمشروع "خوصصة" الصحة إلى حيز النفاذ يستند أساسا على الفصل 31 من الدستور المغربي الحالي الذي ينص على "الحق" في الصحة على النحو التالي "تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنين والمواطنات، على قدم المساواة، من الحق في العلاج والعناية الصحية والحماية الاجتماعية والتغطية الصحية"، ليظهر أن الخطة الحكومية "لخوصصة" الصحة مبنية على منطوق الدستور ذاته، إذ أن المادة السالفة تحدد دور الدولة والمؤسسات العمومية في حدود تيسير/تسهيل استفادة المواطنين من الحق في الصحة، أمر يفسر لدى الفقه الدستوري بكونه استبعاد للدولة من تحمل المسؤولية المباشرة في توفير هذا الحق من حقوق الإنسان، حيث تتحول الدولة من فاعل إلى وسيط.

 

الفصل السابق يعطي لوزارة الصحة الضوء الأخضر لسن سياسات عمومية "محدودة المسؤولية" تجاه المواطن، أمر يرفضه الأطباء ويعتبرونه مشروعا سيضرب واحدا من الحقوق الأساسية للمواطن تجاه الدولة، واعتبر الأطباء أن الوردي أداة لتمرير مخطط يستهدف تسليع الخدمات الصحية أكثر مما هي مسلعة، معتبرين أن فتح الباب أمام الرأسمال للاستثمار في قطاع حساس مرتبط بحياة المواطن قد يدفع شركات الأدوية إلى اقتحام القطاع والتحكم بشكل مطلق في صحة المواطن من خلال إنشاء مصحات خاصة تابعة لهذه الشركات وإجبار الأطباء على وصف أدوية محددة من إنتاج ذات الشركات، ما يعني فتح الباب أمام الاحتكار التام للصحة، وحتى في حالة وجود آليات رقابية فإن الخوصصة تعني الخضوع لنظام السوق ما يجعل الرقابة أمرا معقدا جدا.

 

70% من المغاربة بدون تغطية صحية

 

الدكتور خالد لغنيمي، القيادي بالنقابة الوطنية للصحة، يرى أن مشروع القانون لا يجيب على احتياجات المواطنين في مجال الصحة، مشيرا إلى أن 70% من المغاربة لا يتوفرون على تغطية صحية ولا على تأمين يمكنهم من ولوج المصحات الخاصة، ما يدفعهم إلى اللجوء إلى المستشفيات العمومية التي قال عنها الاختصاصي في طب الأطفال أنها تعاني من خصاص مهول على مستوى التجهيز والأطر الطبية، مما يجعل الخدمات المقدمة من طرف هذه المستشفيات محدودة وغير ذات جودة، وأضاف الكاتب المحلي لذات النقابة المنضوية تحت لواء الكنفدرالية الديمقراطي للشغل بطنجة، أن فتح الباب أمام أصحاب الرأسمال للاستثمار في قطاع حساس، يعني أن هؤلاء سيبحثون عن الربح، مستطردا أن القطاع الخاص يعمل وفق ثنائية الخدمة مقابل الثمن، وهذا الأمر غير متاح لغالبية المواطنين المغاربة.

 

لغنيمي أكد في تصريحات لهسبريس أن الدستور المغربي نص صراحة على مسؤولية الدولة في توفير التغطية الصحية للمواطنين حسب الإمكانيات المتوفرة، والدولة تتوفر على الإمكانيات لتوفير هذه الخدمة لمواطنيها، مشددا على أن المسألة لا ترتبط بغياب الإمكانيات بقدر ما ترتبط بالأولويات بالنسبة للدولة التي قال عنها بأنها لا تعتبر قطاع الصحة أولوية، حيث تخصص الحكومة نسبة 5% من ميزانيتها للقطاع في حين توفر تونس مثلا 15% من ميزانيتها لصحة مواطنيها.

 

فتح باب الاحتكار

 

فتح الباب أمام الخواص يعتبره البعض حلا لمشكلة جودة الخدمات الصحية، هؤلاء يراهنون على الصحة "الخصوصية" للرفع من الجودة، لكن لغنيمي يرى ان نسبة محدودة من المغاربة يمكنها الاستفادة من هذه الخدمات التي تكون في الغالب باهظة الثمن، حيث سيستفيد الميسورين منها، كما سيفتح المشروع الباب أمام الاحتكار خاصة من لدن شركات التأمين التي قد تدفع المواطن إلى التوجه إلى مصحات بعينها مقابل امتيازات، ما سيؤدي إلى تشكيل ما وصفه النقابي بـ"مونوبول" سيحتكر القطاع، وهو الأمر الذي سيؤثر على صحة المواطنين.

 

وأضاف المتحدث أن المغاربة في حاجة إلى نظام صحي عادل يمكن الجميع على قدم المساواة من الاستفادة منه بغض النظر عن وضعهم المادي، في حين أن التوجه الحكومي يميز بين المغاربة، ويحرم الفقراء من خدمة عمومية أساسية، لغنيمي أورد نماذج متعددة للتمييز الذي تمارسه الحكومة في حق المواطنين حيث قال إن أول معالم التمييز تكمن في التمييز المجالي-الجغرافي، إذ أن المؤسسات الصحية التي تتوفر في الرباط والدار البيضاء ليست كالتي توجد في مناطق الأطلس وجبال الريف، وأضاف نوعا آخر من التمييز داخل نفس المدينة أو المنطقة متحدثا عن الفرق الكبير بين مستشفى محمد السادس ببئر الشفا بطنجة وبين المستشفى الإقليمي محمد الخامس بنفس المدينة.

 

لغنيمي دعا إلى فتح نقاش عمومي حول الصحة يشارك فيه الجميع من أجل صياغة ميثاق وطني للصحة يجيب عن سؤال أي نظام صحي نريد، مضيفا أن الأطباء المهنيين قادرون على الإجابة على الاحتياجات التي تعوز القطاع.